مع السيد سامي البدري في كتبه الأربعة: (شبهات وردود):
البدري يعترف: لا يمكن اثبات وجود الامام المهدي بصورة مستقلة
كان السيد سامي البدري ، وهو رجل دين عراقي، أول من بادر الى الرد علي، بعد أن نشرت جزءا من الكتاب في نشرة (الشورى) التي كنت أصدرها سنة 1995، حيث نشر في قم نشرة مشابهة لها باسم (ردود وشبهات) وأصدر منها أربع حلقات، ثم طبعها في كتب مستقلة ، ثم في كتاب واحد بنفس الاسم، وكانت الحلقة الأولى تحمل عنوانا فرعيا هو (الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب حول العقيدة الإثني عشرية) ، وقال في مقدمة الكتاب:" هذه أوراق متواضعة تكفلت الرد على بعض الشبهات التي وجهت ضد الاسلام والتشيع. وقصة إثارة الشبهات أمام التشيع بمفهومه الخاص قديمة، وهي لا تنقطع الا بظهور المهدي محمد بن الحسن العسكري (عجل الله فرجه) ... وهي في ذلك نظير قصة إثارة الشبهات أمام رسالة محمد (ص) من قبل أهل الكتاب التي لا تنهي الا بظهور عيسى بن مريم (ع)" ثم يقول:"اخترت للحلقات الأولى من أوراق الرد هذه شبهات وشكوكا أثارها أحمد الكاتب حول الشيعة والتشيع في نشرته (الشورى) وكتبه الثلاثة المتداولة بالدسك الكمبيوتري. فقد أنكر ولادة المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع) وغيبته وجعل القول بذلك من ابتكار النواب الأربعة، ونفى أيضا صحة الأحاديث النبوية في الأئمة الإثني عشر الواردة عند الشيعة والسنة، وادعى بأن العقيدة باثني عشر اماما لم يكن لها أثر في القرن الثالث الهجري، وانها كانت وليدة القرن الرابع الهجري، هذا مضافا الى نفيه القول بأصل الوصية والنص على الأئمة المعصومين بعد النبي وربط ذلك بعبد الله بن سبأ".
ورغم أن السيد سامي البدري لخص مضمون الكتاب في جزئيه الأول والثاني، الا انه لم يشر الى أية شبهة ضد الاسلام، ونسي ما قاله قبل قليل من أنه يتكفل الرد على الشبهات التي وجهتها ضد الاسلام. كأنه يعتبر الاسلام والتشيع أو الفكر الامامي شيئا واحدا، وان من ينقد فكرة معينة داخل التشيع أو الفكر الامامي فكأنه قد انتقد الاسلام، وأثار ضده الشبهات.
وعلى أي حال فقد وجدت في مبادرة السيد البدري للرد، ولو من بعيد، خطوة إيجابية فبعثت له هذه الرسالة:
السيد سامي البدري حفظه الله، قم ايران
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود أولا ان اقدم لك شكري الجزيل على قيامك بالتجاوب مع دعوني لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) حيث كنت من السباقين الذين بادروا الى طلب الدراسة لمناقشتها قبل خمسة أعوام ، وقد أرسلتها اليك فأوليتها اهتمامك البالغ حتى أصدرت كتابا ونشرة خاصة للرد عليها ، في الوقت الذي اكتفى آخرون بالصمت والإهمال او التظاهر بعدم المبالاة.
وكما تعرف فقد كنتُ وجهت دعوات مفتوحة وشخصية الى علماء الحوزة العلمية في قم لعقد ندوة حول وجود (الامام المهدي) ولكني لم أتلق أية إجابة حتى الآن مع الأسف الشديد. ولو كانت الدعوة موجهة الى جامعات أخرى لهبت لدراسة أي موضوع يهمها ويهم المجتمع.
وقد كان منطلقي لتلك الدعوة هو دراسة الفكر السياسي الشيعي وتصفيته مما دخل فيه من أفكار وفرضيات ونظريات منحرفة ووهمية، والعودة به الى فكر أهل البيت (ع) الصافي السليم. وذلك كجزء من مشروع أكبر لدراسة الفكر السياسي الإسلامي العام وتصفيته مما لحق به من تحريفات أموية وعباسية وغيرها، الذي ابتعد عن منهج الشورى ومال الى نظرية القوة والغلبة العسكرية وقام على مبدأ الوراثة العائلية، ألغى حق الأمة في الترشيح والانتخاب والنقد والمحاسبة والمشاركة السياسية.
لقد وجدت في دراستي عن تطور الفكر السياسي الشيعي : أن فكر أهل البيت الأصيل كان يقوم على الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها ، ورفض المنهج الأموي والعباسي في الاستيلاء على السلطة بالقوة واحتكارها وتوريثها للأبناء وأبناء الأبناء، وان بعض المتكلمين قد قاموا بمؤامرة كبرى لطمس فكر أهل البيت العظيم وتشويهه وتحريفه وتقديمه بصورة (ملكية وراثية) مشابهة للفكر الأموي والعباسي.
واعتقد انك توافقني على ذلك فقد قلت في محاضراتك في لندن عام 1415:" ان الحاكم في النظرية الإسلامية وكيل عن الأمة يتعاقد معها ، وان سلطان الأمة أعلى من سلطان الحاكم ، وهذا مبدأ أساسي في الدين ، وان الإسلام لم يقل ان الحاكم خليفة الله في الأرض ، ولكن الخلفاء الذين ادعوا ذلك وزعموا ان سلطانهم أعلى من سلطان الأمة وانه مقدس قد افتروا على الإسلام من أجل ان يحكموا سيطرتهم على الناس" وقلت:" ان نظرية الحكم في الإسلام تقوم على أساس البيعة ، وهي حق من حق الأمة ، والأمة تستطيع ان تسحب الحق من الحاكم… ويمكننا ان نستنبط هذه النظرية الإسلامية القائمة على الشورى والانتخاب من خلال الكتاب والسنة ومن سيرة الرسول الأعظم (ص) والإمام علي بن ابي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين حيث نجد ظاهرة البيعة والعقد واضحة في حياتهم وأقوالهم" "وقدم الامام علي (ع) تجربة قامت على أساس ان الحاكم يستمد سلطانه من الأمة ولا يفرض آراءه بالقوة" وقلت:" ان الولاية لعلي في الغدير لا تعني الحكم والخلافة السياسية. صحيح ان الامام علي بعد يوم الغدير أصبح له حق في الحكم وانه صار أولى من كل أحد، ولكن بشرط ان تبايعه الأمة ليصبح حاكما ، ولا يصبح حاكما الا بعد البيعة".
وقد كان ذلك منك تطورا جديدا في الفكر السياسي يخالف الفكر (الإمامي) الموروث - كما قلت في محاضراتك – ولم تتوصل اليه الا لأنك رفضت التقليد الأعمى للآباء واجتهدت في الفكر ، خلافا للكثير من العلماء الذين يجتهدون في الفروع ويقلدون في الأصول.
وقد وجدت في دراستي ان الفكر الإسلامي السياسي وفكر الطوائف الإسلامية المختلفة قد تطور مع الزمن وتبدل من اليمين الى الشمال ومن الشمال الى اليمين ، وان أيا من النظريات المختلفة والعديدة في المجال الفكري السياسي الإسلامي هي نظريات اجتهادية ظنية ولا تمس أسس الدين كالتوحيد والنبوة والمعاد او تعارض شيئا واضحا وصريحا في القرآن الكريم او السنة النبوية المطهرة ، وبكلمة أخرى قد تكون النظريات المختلفة صائبة او خاطئة ولكنها لا تخرج عن إطار الدين. ولذا لا بد من احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية داخل الإطار الإسلامي واحترام أصحابها وعدم تكفيرهم او تفسيقهم وإخراجهم من الدين، وذلك من أجل المحافظة على الوحدة الإسلامية والحريات والحقوق الأساسية العامة. ولا يجوز لأي أحد ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة واتهام المخالفين له بالباطل المطلق. وان السبيل للوصول الى الحق هو الحوار الهادئ الموضوعي والاستماع الجيد لوجهات نظر الآخرين.
ومن هنا فاني أود توجيه عتاب اخوي الى السيد سامي البدري لقيامه بطرحه لردوده على كتابي في إطار (الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب ضد العقيدة الاثني عشرية والإسلام والتشيع) كما يقول في مقدمة كتابه (شبهات و ردود). وأقول له: إذا كنت تختلف معي فيما ذهبت اليه من التزام أهل البيت بنظرية الشورى في الحكم ، فان من الطبيعي – إذا أردت الحوار – ان تقدم أدلتك العلمية القاطعة على وجهة نظرك ، الا انه لا يجوز لك ان تبادر الى ادعاء الحق المطلق وكأن جبرائيل قد هبط عليك بالوحي ، ثم تتهم الآخرين بمهاجمة الإسلام والتشيع ، وأنت تعلم علم اليقين ان بحثنا يدور في إطار الفكر السياسي وقيام نظرية الامامة على الشورى او النص والتعيين ، وهو ليس الا خدمة للإسلام والتشيع.
واذا كنت تسمح لنفسك بممارسة هذا الأسلوب الدعائي المتعالي ، فأرجو ان تتذكر انك كنت ضحية الإرهاب الفكري عندما اتهمك البعض (كالسيد حسين الصدر) بالتسنن والانحراف عن مذهب أهل البيت ، وذلك في أعقاب محاضرتك في دار الإسلام في لندن قبل عامين ، بسبب من بعض آرائك الجديدة حول الشورى وقيام الخلافة الإسلامية على أساس البيعة والانتخاب ، والتي نشرناها في العدد الأول من (الشورى).
كما أرجو ان تتذكر الاتهامات القديمة التي كان يوجهها الاخباريون المتحجرون للمجتهدين الأصوليين بالانحراف عن مذهب أهل البيت والتسنن وذلك لأخذهم بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه ، وهما منصبان.. يعتقد الاخباريون حتى اليوم انهما من اختصاصات الامام المعصوم (المهدي المنتظر) ولا يجوز لأي أحد ان يقوم بهما في (عصر الغيبة) لا بالأصالة ولا بالنيابة العامة . فهل كانت اتهامات الإخباريين للأصوليين في محلها؟ وهل توافقهم عليها؟
وأرجو ان تتذكر أيضا ان السيد محسن الأمين والشيخ الخالصي والدكتور علي شريعتي والإمام الخميني والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم وغيرهم تعرضوا من قبل المتحجرين والمنغلقين للاتهام بالوهابية والتسنن والشيوعية والعداء لأهل البيت ، ولا تزال المعركة قائمة ضدهم ، فهل تقبل بهذه السياسة التهريجية الغوغائية القائمة على اتهام الخصوم واستثارة العواطف العامة؟ وهل تعتقد اننا بهذه الحدة والعنف والإرهاب الفكري نستطيع بناء مجتمع إسلامي حر وموحد؟ او نستطيع حل اية مشكلة من مشاكلنا المزمنة؟
لقد كانت نظرياتك الجديدة حول التزام أهل البيت بالشورى ، وانها أساس الحكم والخلافة ، خطوة على الطريق الصحيح لمعرفة مذهب أهل البيت المطمور تحت ركام الأحاديث المختلقة والنظريات الفلسفية الضعيفة والفرضيات الوهمية والروايات الأسطورية ، وهي في نظر الإخباريين و(الحجتية) شبهات ضد مذهب أهل البيت ، ولكنها في نظري محاولة اجتهادية لاستكشاف مذهبهم الصحيح ، فكيف تتجرأ بوصف ما قمنا به بالشبهة ؟ وهو ليس الا محاولة اجتهادية للتعرف على مذهب أهل البيت . ولو بذلت مزيدا من الجهد والبحث العلمي والموضوعية والهدوء لتوصلت الى ما توصلت اليه.
ان منهجنا في البحث والتفكير هو التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأحاديث وسيرة أهل البيت (ع) الظاهرية ، ورفض التأويلات الباطنية والروايات السرية والأحاديث الضعيفة والمختلقة ، وقد توصلنا من خلال هذا المنهج الى ما نعتقده فكر أهل البيت الأصيل والسليم القائم على الشورى والحرية والعدالة وحق الأمة في انتخاب الرؤساء ومحاسبتهم وعزلهم ، وهو ما نحتاج اليه في واقعتا السياسي المر الذي يسيطر فيه على السلطة حكام طغاة بالقوة والجبروت ويتوارثون السلطة والثروة الوطنية العامة في عوائلهم وابنائهم.
ان الشبهات تأتي من منهج التأويل السري الباطني لأقوال أهل البيت وسيرتهم، وهو منهج وقعت فيه الفرق الضالة الغالية والمنحرفة عن أهل البيت التي كانت تؤلّه الأئمة او تقول بنزول الوحي عليهم او تقول بتحريف القرآن الكريم او تنكر وفاة الأئمة او تختلق أولادا وهميين لم يخلقوا لهم. واسمح لي ان أقول لك: بأنك وقعت في الشبهة عندما التزمت بهذا المنهج الباطني عندما رفضت في كتابك (شبهات وردود) الروايات الصحيحة التي تتحدث عن البداء والتي لم يشك فيها أحد حتى الذين نقلوها كالشيخ الكليني والمفيد والطوسي ، واقترحت طرحها لأنها لا تنسجم مع النظريات الوهمية التي كونتها حول وجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر من قبل ، وكان من الأجدر بك ان تذعن للحقيقة وتنطلق منها ومن موضوع البداء لتؤسس أفكارك على ما يقول وما يفعل اهل البيت.
أخي العزيز السيد سامي البدري… انك لا تدافع عن مذهب أهل البيت وانما عن نظريات المتكلمين الوهمية التي أكل الدهر عليها وشرب ، والتي تسببت في إخراج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن ، والتي تخلَّوا عنها في القرون الأخيرة عندما قالوا بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه او الشورى ، فهل تريد ان تعيدنا الى ما ذهب اليه المتكلمون السابقون الاخباريون من حرمة الثورة على الظالم وحرمة الجهاد في سبيل الله واقامة الدولة في (عصر الغيبة) وتعطيل الخمس والزكاة وإباحة الأنفال وتحريم صلاة الجمعة الا بشرط حضور (الامام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وضرورة التقية والانتظار الى ظهور المهدي؟
واذا كنت لا تريد ذلك لأنك تؤمن بحرية الاجتهاد ونظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة فلماذا تمتعض بشدة من مناقشة وتحليل النظريات المنقرضة أملا بالوصول الى فكر سياسي أفضل وأسلم؟ وهل هناك حدود للاجتهاد تقتصر على ممارسته في الأمور الجزئية الفرعية فقط؟
واذا كنت تتفق معي في مواكبة الثورة الشيعية الراهنة المتحررة من أغلال المتكلمين والإخباريين الذين يشترطون العصمة والنص في الامام (أي الحاكم والرئيس) ونظرياتهم الوهمية المثبطة واللاواقعية واللامعقولة ، فأرجو منك ان تمتلك الشجاعة لتعبر عن رأيك بصراحة ، وفي كل مكان ، لا ان تقول كلاما في لندن ثم تتراجع عنه في قم.
واذا كنت تصر على التمسك بنظريات المتكلمين والإخباريين البائدة او تأويلها وتطويرها وتأييدها بالروايات الإسرائيلية.. وكنت تحب التصدي لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر ، فأرجو منك ان تفعل ذلك بصورة منهجية واضحة موضوعية ومتكاملة ، وان تستعرض في البداية موجزا للأفكار التي طرحتها وقدمتها ، بأمانة ودقة ، ثم تقوم بالرد عليها بما تشاء ، لا ان تهمل الأمور الرئيسية وتلتقط بعض القضايا الجانبية البسيطة والجزئية وتقتطع من الفقرات مقاطع خاصة ومبتورة كما تشتهي لترد عليها بما تشاء وكأنك فتحت باب خيبر!
لقد كانت دراستي تتألف من ألف صفحة (كما هو موجود في الديسكات الكمبيوترية المنتشرة في قم، قبل الاختصار، وقبل الطبع) ومن ثلاثة أجزاء ، وقد استعرضت في الجزء الأول بشكل مفصل نظرية الامامة الإلهية وذكرت جميع أدلتها ، ثم بينت موقف أهل البيت منها ومن موضوع العصمة والنص والوراثة والعلم وخلصت الى إيمانهم بنظرية الشورى كمنهج سياسي ، كما بحثت في الجزء الثاني نظرية وجود وولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وذكرت جميع الأدلة الفلسفية والتاريخية والروائية والإعجازية التي يذكرها المؤمنون بها وناقشتها بعد ذلك دليلا دليلا ، وكان من بينها موضوع أحاديث (الاثني عشرية) ضمن الدليل الروائي ، فلماذا أهملت البحث في نظرية الامامة الإلهية وموضوع وجود (الامام الثاني عشر) لتناقش مسألة الاثني عشرية فقط؟ او قولي: ان هذه النظرية مستوردة من السنة وحادثة في القرن الرابع الهجري؟ هل لأنك توافقني في موضوع الامامة والمهدي وتخالفني فقط في موضوع (الاثني عشرية)؟ أم ماذا؟
ان إثبات موضوع (الاثني عشرية) لا يتم عبر إثبات صحة كتاب سليم بن قيس الهلالي او هذه الرواية او تلك ، وانما يتم عبر إثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري (ع) الذي كان ينفي حدوث ذلك في حياته ، فلماذا لا تناقش الفكرة من أساسها وتعمد الى انتهاج وسائل ملتوية وأحاديث جانبية؟
واذا كنت حراً فيما تريد ان تترك او تختار من مواضيع للرد ، فلماذا تمارس ما اتهمتني به من سياسة استغفال القراء وعدم احترامهم وتجنب أصول البحث العلمي ، وذلك في معرض مناقشتك لصحة (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يعتبر معتمد وأساس النظرية الاثني عشرية ، حيث ذهبتُ أنا الى وضعه واختلاقه ، وذهبتَ أنت الى صحته ، ولكنك لم تشر في حديثك أبدا الى ما استشهدت به انا من قول للشيخ المفيد بضعف هذا الكتاب وحدوث الوضع والتدليس فيه. وكان من المفترض بك – على الأقل – ان تشير الى موقف الشيخ المفيد وهو شيخ الطائفة فترفضه او تأوله بعد ذلك ، ولكنك فضلت الصمت والهروب من مواجهة الحقيقة كأنك تريد ان تختم معركتك بليل على صفحات كتابك بسرعة.
لقد كان منهجي في دراستي وفي نشرة (الشورى) التي أصدرتها ، أن أفسح المجال لعرض الرأي الآخر أولا ن بدقة وأمانة وتفصيل ، ثم أقوم بعد ذلك بالرد والمناقشة.. ولو كنت تستجيب للحوار على صفحات (الشورى) لرأيتَ رأيك منشورا بصورة كاملة ، وهذا ما يثبت بُعدي عن سياسة الاستغفال والتعتيم ، والتزامي بعرض الحقائق الكاملة على القراء ، وأرجو منك ان تثبت التزامك بهذه السياسة وابتعادك عن سياسة الاستغفال والتعتيم بنشر رسالتي هذه في النشرة الخاصة التي تصدرها للرد على (الشورى) وهي (شبهات و ردود).
لا أريد ان أخوض معك في جدال مفصل حول ما نشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب ان شاء الله ، وانا غير مسئول عن الأشرطة الكمبيوترية المسربة والمعرضة للزيادة والنقصان ، والتي كانت تشكل المسودة الاولى البدائية للكتاب ، ولكني أريد ان أتوقف عند بعض الردود العجيبة التي حاولت ان ترد بها علي ، حيث وصفت بعض الروايات كدعاء القائم الذي يرويه الكفعمي بالضعف ، جزافا ، وطرحت روايات البداء تعسفا ، وأوَّلت روايات الثلاثة عشر اماما بخطأ النساخ ، رغم مرور أكثر من الف سنة عليها ، وسمحت لنفسك بالاقتباس من الإسرائيليات المتعارضة مع تراث أهل البيت ورواياتهم ، ورفضت الأحاديث الصحيحة بالتأويلات الباطنية السرية ، وادعيت فهم سر بعض الروايات في حين لمتني على الأخذ بظاهرها.. وإضافة الى ذلك فقد ادعيت امتلاكك للحقيقة ومعرفتك الواقعية بمذهب أهل البيت واتهمتني بإثارة الشبهات ، فمن الذي وقع في الشبهة ؟ ومن خرج منها؟
وحتى تجيب على هذا السؤال أدعوك بإخلاص الى دراسة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) بشمولية ودقة وموضوعية ، والفرز بين تراثهم وتراث الفرق الغالية والمنحرفة التي كانت تلصق بهم ما تشاء وترفض ما تشاء تحت دعوى (التقية) الباطلة ، وذلك من أجل الوصول الى حقيقة فكر أهل البيت السياسي السليم ، الذي يعيننا ويعين الأمة الإسلامية على الخروج من المأزق السياسي الراهن وتحقيق الحرية والعدالة والشورى والوحدة.
لقد شهد تاريخ الشيعة الطويل تطورات ومنحنيات ومفارق عديدة أدت الى حدوث الفرق الشيعية التي تجاوز عددها السبعين ، وكان بعض التحولات سلميا وعلميا وهادئا ، بينما كان بعضها الآخر يتسم بالعنف والدم والتهريج والعداوة والبغضاء كالمعركة بين الإخباريين والأصوليين والمشروطة والمستبدة في القرن الماضي.. ونحن اليوم على أعتاب مرحلة نهضوية جديدة وأمام تحديات حضارية كبيرة مسئولون فيها أمام الله ومطالبون بتقديم صورة أفضل عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأسلوب التعامل السلمي والحوار الداخلي الديموقراطي ، والاجتناب عن سياسة القمع والإرهاب والتكفير والانغلاق والتحجر.
واعتقد ان بعض الدوائر المتخلفة المضادة للثورة الإسلامية في داخل الحوزة ، والتي كانت تتهم الامام الخميني بالشيوعية والدكتور علي شريعتي بالوهابية والتسنن والكفر ، هي التي تحاول اليوم ان تمارس الإرهاب والقمع والإرهاب الفكري ومصادرة حرية الأمة وحقها في مناقشة القضايا الثقافية والسياسية ، وقد تعجبت من قيام صحيفة (الشهادة) التي يصدرها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بكيل الاتهامات الباطلة لي ووصف كتابي بأنه محاولة لشق صفوف المسلمين، وانه إرجاف وغواية وضلالة ، وذلك ضمن عرضها لكتابك الجديد (شبهات وردود) دون ان تعطيني بالطبع حق الرد عليها عملا بقواعد النشر وحرية التفكير. وهذا ما يذكرني بمحاكم التفتيش سيئة الصيت في القرون الوسطى.
وفي الختام اكرر توجيه الدعوة لك وللسادة العلماء الأفاضل المهتمين بمناقشة القضايا الإسلامية ، لإقامة ندوة او ندوات لدراسة الفكر السياسي الإسلامي عموما والفكر السياسي الشيعي خصوصا.. يتم فيها الاستماع الى وجهات النظر الأخرى والمخالفة، بروح علمية وأدب واحترام ، وأتمنى ان تتاح لك الفرصة والحرية الكاملة للتعبير عن آرائك بصراحة ودون خوف من اتهامك بالردة الى مذهبك القديم او إثارة الشبهات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوك المخلص احمد الكاتب
لندن 23 رمضان المبارك 1417هـ
ثم واصل السيد سامي البدري، الرد على بعض المقالات المنشورة في نشرة (الشورى) فيما يتعلق بموضوع النص على الامام علي بن أبي طالب، واصدر حلقتين جديدتين من كتابه (شبهات وردود). ونشر في الحلقة الثالثة جوابا على رسالتي السابقة، وكان كما يلي:
"...أما بالنسبة لسؤالك لماذا ابتدأت بالرد على موضوع الأثني عشرية وأهملت موضوع الإمامة والمهدي .
فأقول اني لم اكتب الرد حين كتبته ردا على كتبك غير المنشورة وانما كتبته ردا على مقالك الذي تناقش فيه دليل الإثني عشرية في العدد العاشر من نشرة الشورى وقد استوعب الرد الحلقة الأولى والفصل الأول من الحلقة الثانية من (شبهات و وردود) ثم أكملت الحلقة الثانية بالرد على مقال البغدادي الذي يرد فيه على الشهيد الصدر رحمه الله حول النص على علي (ع) وأنا حر ايضا في اختيار موضوع الرد . اما في العدد الثالث فقد ابتدأت في الرد على بعض كلماتك في الجزء الأول من كتابك المنشور أخيرا وهي تخص نظرية الإمامة الإلهية.
أما قولك: (ان اثبات موضوع الاثني عشرية لايتم عبر اثبات صحة كتاب سليم بن قيس أو هذه الرواية أو تلك ...) فأقول : اذاً لماذا اثرت الشبهات على كتاب سليم او على هذه الرواية او تلك؟
اما قولك (ان اثبات موضوع الاثني عشرية يتم عبر اثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري) .
أقول : لا ادري ماذا تريد به؟ هل تريد ان احاديث الاثني عشر لا تصح الا باثبات وجود ولد للعسكري؟ ام تريد ان انطباق الحديث على دعوى الشيعة لا يتم الا باثبات ولد للامام الحسن العسكري (ع) .
والاحتمال الاول : لا وجه له لان صحة الحديث تتم من خلال رواته وقد رواه الثقات واثبتوهُ فيه مصنفاتهم كما بحثنا ذلك في الحلقة الاولى.
اما الاحتمال الثاني : فلا وجه له ايضاً لان التشيع الاثني عشري برمته يقوم على الايمان بان الحسن العسكري قد ولد له ولد هو المهدي وتلقوه ذلك جيلاً بعد جيل ولم يبنوا اعتقادهم بذلك على هذه الرواية أو تلك في قصة ولادته (ع) ولا يضرهم انكارك ولا انكار غيرك من اهل السنة كما لم يضر من قبل انكار اغلب بني اسرائيل ولادة عيسى (ع) حيث انكرتها فرق اليهود السامرية و العبرانية الا فرقة صغيرة من اليهود العبرانيين وهي فرقة زكريا ويحيى (ع) وقد كان بنو اسرائيل (ينتظرون عذراء تلد ولدا) ولا زالوا الى اليوم ينتظرون ذلك.
اما ماعتبت به من عرض افكارك ضمن عنوان (شبهات ضد الاسلام والتشيع)
اقول : فقد نبهنا في مقدمة الكتاب ان النشرة معنية بالشبهات التي وجهت ضد الاسلام والتشيع ، وقلنا اننا اخترنا للحلقات الاولى الشبهات التي اثارها احمد الكاتب ضد الشيعة والتشيع) ارجو منك مراجعة المقدمة مرة اخرى .
اما قولك تخاطبني (أتريد ان تعيدنا الى القول بحرمة الثورة على الظالم ... الى آخره) .
فأقول : هدانا الله يا اخي واياك للتي هي ازكى ... الا تعلم انه لا يوجد اي تلازم بين القول بـ(نظرية الامامة الالهية وعصمة الائمة (ع) وتحديدهم باثني عشر وولادة المهدي (ع) وغيبتة الطويلة والبداء والرجعة) وبين القول بـ(حرمة الثورة على الظالم او تعطيل الجهاد واباحة الانفال وتحريم صلاة الجمعة) ، فقد قال بكل تلك العقيدة الامام الخميني ومع ذلك فجر الثورة الاسلامية في ايران وقادها ، وكذلك قال بكل تلك العقيدة الشهيد الصدر ومع ذلك قاد الثورة الاسلامية في العراق واستشهد في سبيل ذلك.
اما قولك (ان روايات اهل البيت (ع) تتحدث عن استمرار الامامة الى يوم القيامة وعدم تحديد الائمة في رقم معين وذلك لامتداد نظرية الامامة الالهية في موازاة نظرية الشورى كنظام سياسي لا يقبل التحديد في اشخاص معينين أو فترة محددة) .
فجوابه : ان روايات النبي (ص) والائمة قد حددت عدد الائمة باثني عشر وقد بحثناه مفصلا في الحلقة الاولى الفصل الثامن ، ارجو مراجعته .
اما قولك ان الامامة الالهية في موازاة نظرية الشورى . فقد بحثناه مفصلا في الحلقة الثانية الفصل الاول ، ارجو مراجعته .
اما قولك : (انني لم اذكر تضعيف الشيخ المفيد لكتاب سليم وانني استغفلت قرائي ... الى آخره) .
فاقول : لو رجع الاستاذ الكاتب الى كتابي شبهات وردود الحلقة الاولى ص 94 لوجدني اقول بقول العلامة التستري (ومن هنا اوجب الشيخ المفيد عدم الاعتماد على كل ما ورد في الكتاب (أي كتاب سليم) دون تحقيق) وفي صفحة 95 اقول بقول العلامة التستري ايضاً (والحق في كتاب سليم بن قيس ان اصله كان صحيحا قد نقل عنه الاجلة المشايخ الثلاثة والنعماني والصفار وغيرهم الا انه حدث فيه تخليط وتدليس من المعاندين فالعدو لا يألو خبالا كما عرفت من المفيد… وحيئذ فلا بد ان يراعى القرائن في اخباره كما عرفت من المفيد).
بعد هذا اسأله .
من الذي يريد ان يختم المعركة بليل انا ام هو ؟!
اما قولك : (لا اريد ان اخوض معك في جدال مفصل ... الى آخره) .
فجوابي : ان هذه الطريقة من الرد ليست من البحث العلمي في شيء حبذا لو نهجت في الرد علي المنهج الذي نهجته معك ، فقد اوردتُ قطعة من كلامك ثم علقتُ عليها وناقشتُها . اقتطع انت أي فقرة تامة شئت ومن أي موضوع من المواضيع التي ذكرتها آنفا او غيرها مما حفلتْ به نشراتي الثلاث، وبين الضعف والخلل الذي تراه ، وهذا هو الموقف المقبول والمترقب للرد علي من قبلك .
اما دعوتك الى مواصلة البحث العلمي في الاصول قبل الفروع وان يكون المنهج هو التمسك بالكتاب والسنة وهدي اهل البيت (ع) . أقول : فحيهل ...
فما رأيك ان نبدأ ببحث مسألة : هل يوجد شهداء بعد الرسول (ص) شهادتهم على الناس كشهادة الرسول وانهم ائمة هدى يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم كما يؤخذ بقول الرسول وفعله وتقريره وان الناس ملزمون بالأخذ عنهم والاقتداء بهم والطاعة لهم وانهم موكلون الهيا بحفظ الرسالة بعد الرسول .
نبدأ أولا بذكر الايات القرآنية الكريمة ثم احاديث النبي (ص) ثم احاديث اهل البيت (ع) .
ارجو اعلامي ان كنت توافقني على ذلك .
ومن المفيد قبل ذلك ان تبين مصادر السنة النبوية وحديث أهل البيت (ع) المعتمدة لديك .
اما ما قلت من (وجوب احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية واحترام اصحابها) .
أقول : فهو مقولة شائعة و لكنها غير صحيحة ، والصحيح هو عكسها ، وهو ان الاصل احترام الاشخاص وليس احترام وجهات نظرهم الخاطئة ومن هنا نلاحظ ان الاسلام احترم اهل الكتاب وسمح لهم بالعيش ضمن المجمع الاسلامي بشروط معينة مع انه لم يحترم كثيراً من عقائدهم ووجهات نظرهم وانتقدها وعرَّض بها وكشف زيفها .
اما بخصوص الأستاذ احمد الكاتب حين تحوَّل من صف القائلين بالنص إلى صف المنكرين له بل صف خصوم اهل البيت (ع) لان شعارهم النص فيما بين ايدينا من تراثهم الصحيح المنسوب اليهم ومع ذلك فنحن لا نراه قد خرج من الدين ، نعم لا شك بخروجه من التشيع الاثني عشري وانتحاله رأي ابن ابي الحديد المعتزلي في الامامة وموقفه السلبي من شيعة اهل البيت .
أكتفي بهذا القدر من التعليق واكرر دعائي ان يهدينا الله واياك للتي هي ازكى انه سميع مجيب .
سامي البدري
وبعد صدور الحلقة الثالثة من كتابه أرسلت له هذه الرسالة:
السيد سامي البدري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله
قلتَ في الحلقة الثالثة انك سوف تجيب على القضايا الرئيسية التي لم تجب عليها في الحلقات الماضية ، وظللت تدور في القضايا الهامشية من الموضوع ، ولكنك لم تفعل بعد ، حيث لم تناقش موضوع ولادة الامام الثاني عشر ووجوده وتهربت من الموضوع كما لم تناقش موضوع الامامة . ارجو منك الاجابة على سؤال: لماذا تخلى الشيعة اليوم عن شروط الامامة من العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية وقبلوا بشروط الزيدية كالفقه والعدالة وقيام الامامة على الانتخاب والشورى ، كما هوحاصل اليوم في ايران ( الجمهورية الاسلامية ). وكما اعرف انك تفرق بين الامامة والخلافة وتحاول ان تفسر الامامة بمعنى يختلف عن الحكم والخلافة ، فهل ستقوم في المستقبل بمناقشة الكتاب ( تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه ) .
وارجو منك ان لا تغتر بالمديح الذي كاله لك بعض المشايخ الذين لا يقرأون .
واعتقد انك قرأت رسالة وزير الثقافة والارشاد الايراني الى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي والحوزة بصورة عامة والتي نشرت في الصحافة الايرانية قبل اسبوع حول ضرورة الرد على الكتاب ، فهل قرأ الوزير نشراتك الثلاث ام لم يجد فيها شيئا جديا وغنيا .
والسلام عليكم
احمد الكاتب
9-10-1999
فأجاب السيد سامي البدري بما يلي:
الى الاستاذ أحمد الكاتب هدانا الله وإياه لما يحبه ويرضاه :
السلام عليكم ورحمة الله .
أشكرك على رسالتك وسؤالك ، كما اشكرك أيضا على إرسالك لي مقابلتك المنشورة في جريدة القدس العربي - لندن/ العدد 3205 الجمعة 27 آب - 15 جمادى الاولى 1420 . أعتذر عن تأخير الاجابة بسبب سفري .
1 . اعترضتَ في رسالتك الاسبق ( وهي التي جعلتها مادة العدد الثاني عشر من نشرتك الشورى ) على منهجي معك في الرد وانصرافي إلى مناقشتك في الجزئيات ثم دعوتني في مقدمة الرسالة الى مواصلة البحث العلمي في الاصول قبل الفروع الجزئية . وقلتَ ان منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدي أهل البيت . وقد رحبتُ بعرضك وكتبتُ اليك جوابا نشرته في الحلقة الثالثة 14رجب 1418هج .
وقلتُ لك في جوابي لك ( فما رأيك ان نبدأ ببحث مسألة هل يوجد شهداء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) شهادتهم على الناس كشهادة الرسول وانهم ائمة هدى يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم كما يؤخذ بقول الرسول وفعله وتقريره وان الناس ملزمون بالاخذ عنهم والاقتداء بهم والطاعة لهم وانهم موكلون الهيا بحفظ الرسالة بعد الرسول . ؟ نبدأ اولا بذكر الايات القرآنية الكريمة ثم احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) ثم احاديث اهل البيت (عليهم السلام) .
ارجو اعلامي ان كنت توافقني على ذلك . ومن المفيد قبل ذلك ان تبين المصادر الحديثية المعتمدة لديك ) .
ولم يصلني منك جواب خاص أو عام وقد مضى على ذلك سنتان .
2 . سألتني في رسالتك بعد صدور الحلقة الثالثة من ردي عليك بمدة بواسطة الانترنيت لماذا تخلى الشيعة اليوم عن شروط الامامة من العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية وقبلوا بشروط الزيدية كالفقه والعدالة وقيام الامامة على الانتخاب والشورى ؟
أقول: مصطلح الامامة استخدم بمعنيين :
المعنى الاول : معنى خاص ويراد به ان صاحبه حجة في قوله وفعله وتقريره حيا وميتا ، وليس من شك أن أول أئمة بهذا المعنى هو النبي ، ويرى الشيعة ان هذا المعنى للامامة استمر بعد النبي في إثني عشر من أهل بيته بوصية من النبي وبأمر من الله تعالى ، ويشترطون في هذا المعنى من الامامة العصمة والنص وحصرها في علي والحسن والحسين ثم في ذرية الحسين كما حصرت الامامة بعد إبراهيم في ذريته اسماعيل ثم اسحاق ثم يعقوب ثم حصرت في ذريته . قال الله تعالى : (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/124 . وقالى الله تعالى : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الانبياء/72-73 . وقال الله تعالى : (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ الله وَمَا الله بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) البقرة/140 . والاسباط في الاية هم يوسف وذريته المعصومون .
إنَّ إسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط يهدون الناس الى سنة إبراهيم بأمر الله تعالى .
والدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم إلى آخر الدنيا حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الائمة إثنا عشر ونص السابق من الائمة على لاحقه .
والشيعة المعاصرون شأنهم شأن الماضين من أسلافهم لم يتراجعوا عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية والحصر في اثني عشر في هذا المعنى من الامامة .
المعنى الثاني : للامامة معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للائمة الاثني عشر (عليهم السلام) ولم يتراجع عن هذا القول أحد إلا أن يتراجع عن أصل التشيع ، أما في عصر الغيبة الكبرى فإن علماء الشيعة كانوا بين اتجاهين اتجاه يقول بتعطيل الحدود بعذر إن إقامتها خاصة بالمعصومين فقط ، واتجاه يقول بجواز قيامها من قبل الفقهاء مع القدرة ولم يشترط أحد ممن يتبنى هذا الاتجاه في مقيمها أن يكون علويا حسينيا معصوما منصوصا عليه ودونك القائلين بهذا الاتجاه بدءا بأقدمهم الشيخ المفيد ( ت413 ) وانتهاء بالامام الخميني والشهيد الصدر وخلفائهما .
وفي ضوء ذلك يتضح أن السؤال خاطيء أساسا ومبني على الخلط بين قضيتين استخدم لفظ الامام للتعبير عنهما وهما:
الاولى : قضية وجود حجج الهيين على الخلق بعد النبي شهداء على الناس كشهادة النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي شهيد عليهم كما في قوله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... ) الحج/78 .
الثانية : وهي قضية من له حق الحكم في الاسلام وهذه القضية قد شخصتها الاية (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلَا تَشْتَرُوا بِ آيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة/44 .
وباعتبار التقاء المعنيين في عصر الائمة الاثني عشر في شخصهم (عليهم السلام) ، فهم حجج الله بعد النبي ، وحق الحكم منحصر بهم في زمان حضورهم بنص الاية ، اندمج المعنيان في مصطلح الامام وصار لدى الشيعة يدل على معنى ثالث يراد به كلا المعنيين وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر .
استهدف المتكلمون الاوائل للشيعة إثبات كلا المعنيين للامامة لهؤلاء الاثني عشر لا غير ، ولم يكونوا معنيين بمسألة الحكم كمسألة مستقلة .
ولست أدري لماذا هذا الاصرار من الاستاذ الكاتب على خلط المعنيين .
إن الموضوعية تقتضي بحث المعنيين كل على حدة لانهما يشيران الى قضيتين مختلفيتين هما :
القضية الاولى : هل يوجد مبيِّنون معصومون للدين بعد النبي يكون بيانهم للسنة النبوية وتفسير القرآن كبيان النبي مع كونهم ليسوا بانبياء ، ومن هم هؤلاء ؟وكم عددهم ؟ .
القضية الثانية : من له أهلية وحق إقامة الحدود وتنفيذ الاحكام في المجتمع الاسلامي بدءا من زمن النبي ؟ هل كل مسلم كيفما اتفق ؟ أم هم صنف معين من الناس له مواصفات خاصة وشروط خاصة ؟وهل يتصدى المؤهل كيفما اتفق أم لابد من طريقة خاصة ؟ .
ومما لا شك فيه أن البحث الاول مقدم على البحث الثاني وأكثر خطورة منه .
لقد بحثنا القضيتين في الحلقة الثانية من ردودنا عليك الفصل الاول ص16-44 . وفي الحلقة الثالثة في مواضع متعددة يرجى مراجعة ذلك .
3 . وزير الارشاد الايراني حفظه الله لم يكن مطلعا على ردودي عليك وقد وصله أخيرا . أما المديح الذي أشرتَ إليه فهو ليس مديحا وانما تأييد علمي من علماء معروفين بعلميِّتهم مسؤولين عن كلمتهم ، وهو يبعث على السرور لا الغرور ، وكذلك الحال مع كلمات القراء الكرام الذين عبروا عن مشاعرهم وانطباعاتهم التي تؤكد على فائدة ما كتبناه واعتزازهم به ونحن بدورنا نشكرهم على مبادرتهم في إظهار عواطفهم واعتزازهم .
4 . قولك في القدس العربي- لندن العدد 3205 ( ان الجو السائد في الحوزة فيما يبدو يميل إلى عدم البحث والاجتهاد في قضية ولادة المهدي ورفض مناقشتها بدعوى انها من العقائد الاساسية وقد عبَّر السيد سامي البدري من حوزة قم خلال برنامج ( بلا حدود ) الذي أذيع من قناة الجزيرة الفضائية يتاريخ 4/8/ 1999عن هذا الموقف بصراحة وقد أثار استغرابي لانه يتناقض مع إجماع الشيعة عبر التاريخ على ضرورة الايمان والالتزام بالعقائد الاساسية عن معرفة وإجتهاد ويقين وعدم جواز التقليد فكيف لمن يدعي العلم التقليد ومنع الاخرين عن الاحتهاد ) .
أقول :
لو راجع الاستاذ الكاتب شريط المقابلة ودقق في صوت المتحدث لعرف ان المتحدث باسم السيد سامي البدري لم يكن شخصه وإنما هو شخص آخر ، وقد فوجئت شخصيا بذلك كما فوجيء الكثير من الاصدقاء ممن يميز صوتي وأُخبِرتُ فيما بعد بأن المتحدث هو فضيلة السيد حسين الكشميري (من أهل قم في مدينة قم) وقد أتصلت به للتأكد من ذلك /وبامكانك الاتصال به شخصيا للتأكد أيضا/ وعاتبته على عدم تصحيح الاشتباه في أول المداخلة أو آخرها فاعتذر بالغفلة وعدم قصد ذلك وله عذره على كل حال ، وقد أخبرتُ مقدِّم برنامج ( بلا حدود ) بهذه الملابسة في اليوم الثاني وأرسلت له رسالة بالفاكس بذلك وكنت قد أرسلت له الحلقات الثلاث من ردودي عليك وكانت الحيادية منه تقتضي ان يشير اليها عندما ذكر اسمي كصاحب مداخلة وقد اعتذر عن ذلك بأنها وصلته بعد انتهاء المقابلة .
أما موقف علماء الشيعة من المسألة الاصولية العقائدية فهو كما ذكرتَ عن إجماعهم عبر التاريخ على ضرورة الايمان والالتزام بالعقائد الاساسية على أساس مواجهة الدليل مباشرة وعدم جواز التقليد فيها وهو من مفاخر متقدميهم ومعاصريهم وتلاميذهم .
أكرر شكري على مبادرتك ورسالتك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
سامي البدري
5 شعبان / 1420
وأرسلت اليه الجواب التالي:
السيد سامي البدري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تم إضافته يوم السبت 07/11/2009 م - الموافق 19-11-1430 هـ الساعة 12:33 مساءً